مصطلح التصوّف عند ابن خلدون بين حدّ الشريعة وحدود الوضع

      عُني ابن خلدون بدراسة التصوف ظاهرة عمرانية ببحث التفاعل بينها و الجماعة التي تولد فيها هذه الظاهرة و تنمو ثم رأى مدى التفاعل الحاصل في المجتمع الإسلامي وقد خصّ هذا المبحث بفصل وسمه ب”علم التصوف ” في المقدمة ثمّ عاد إلى دراسته  في مبحث منفصل وهو “شفاء السّائل” إذ خصّه بالنظر في الفلسفة التي يقوم عليها التصوّف ولم يبرح موقعه وهو عالم الاجتماع. و ما تجدر الإشارة إليه مبتدأ أنّ ابن خلدون قد لاحظ أنّ التعريفات التي يقدّمها المتصوّفة لمذهبهم متعددة يختلف بعضها عن بعض وتغلب عليها سمة الغموض.

وقد ردّ ابن خلدون هذا التنوع و التعدد إلى عاملين أساسيين [1]

الأول: لم يقصد المتصوّفة بهذه التعريفات حدّ التصوّف حدّا علميا وإنما قصدوا التعبير عن مواجدهم وأحوالهم ومقاماتهم المتدرّجة صعودا في لحظة بعينها. ” فكل واحد منهم عبّر عمّا وجد، وينطق بحسب مقامه”[2]

الثاني: أنّ مصطلح التصوف اكتسب مع مرور الزمن متصوّرات جديدة أبعدته شيئا فشيئا عن المتصوّر الذي فيه نشأ .” [3]

و ما نلحظه أن التطور الذي حصل لهذا المصطلح نتج عن عوامل خارجية متزايدة فلقد بدأ مصطلح ‘صوفي’ و ‘متصوفة’ في الطور الأول مرادفا لمصطلحات من نوع ‘زاهد’ و ‘عابد’ و’فقير’ وهي مصطلحات تشترك في ذات المتصور وهو مراعاة حدود الشريعة مع التفاني في مرضاة الله.

و لما ظهرت الفرق الإسلامية انفرد كل فريق بخواصّ له وادّعى كل فريق بأنّ فيهم زهادا وعبادا. وانفرد خواص أهل السنة المقبلون على العبادة بمصطلح ‘المتصوفة’ [4] وقد أكّدت ذلك مصادر متعددة من أهمها قول ابن خلدون ” إنّ هذا الفن ( التصوف) يعتبر مستحدثا في الملة، إذ كان أصله عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية. وأصلها العكوف على العبادة و الانقطاع إلى الله تعالى و الإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة و جاه و مال. وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف”يقول أيضا ” ولما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، و جنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوّفة ‘[5]

وقوله ‘ ثم اختلف الناس وتباينت المراتب وفشا الميل عن الجادة والخروج عن الاستقامة ونسي الناس أعمال القلوب وأغفلوها، وأقبل الجمّ الغفير على صلاح الأعمال البدنية والعناية بالمراسم الدينية، من غير إلتفات إلى الباطن، ولا اهتمام بصلاحه. وشغل الفقهاء بما تعمم به البلوى من أحكام المعاملات والعبادات الظاهرة حسبما طالبهم بها منصب الفتوى و هداية الجمهور، فاختص أرباب القلوب باسم الزهاد والعباد وطلاب الآخرة المنقطعين إلى الله (… )  فانفرد خواص أهل السنة المحافظين على أعمال القلوب المقتدون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة وسموا بالصوفية ‘[6]   وهو ما انتهى إليه ابن خلدون في شفاء السائل بحثا عن حد لمصطلح التصوف موافقا القشيري على رفض التأويلات المتعلقة بالاشتقاق: ” إنّ المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يتّسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لهم الصحابة ولمّا أدرك أهل العصر الثاني سمي من صاحب الصحابة التابعين ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدّة عناية بأمر الدين الزهاد والعباد ثم ظهرت البدع وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادا فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى المحافظون على قلوبهم من طوارق الغفلة، باسم التصوف واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة’[7] .  

 إن هذا المصطلح قد تعددت معانيه إذن واتسعت ولم يعد “ينطبق عليه حدّ واحد”[8]  وقد حاول نيكلسون [9] جمع تعريفات التصوّف فألفى ما يربو عن التسعين تعريفا .

ولئن كان مصطلح ‘صوفي’ موضع خلاف بين الدارسين فإن جلّهم يتفق في أصل اشتقاقه و هو رأي يؤكده ابن خلدون هذه المرة في المقدمة بقوله ” والأظهر إذ قيل بالاشتقاق أنه من الصوف. و هم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عرفوا بمخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف “[10]

و هو رأي ينفيه في شفاء السائل بقوله ” فقيل من لبس الصوف، والقوم اختصوا فيه بلباس دون لباس وإنما فُعل ذلك بعض من تشبه بهم “[11]   وقد”تصرف الناس في ذلك اللقب بالاشتقاق منه فقيل متصوف، و صوفي، والطريقة هي التصوف والجماعة متصوفة و صوفية ‘[12] وقد تطور متصور التصوف تطورا تدريجيّا حتى غدا للمصطلح متصورات متعددة ولم يعد بذلك ‘ ينطبق عليه حدّ واحد’[13] كما يؤكد ابن خلدون في شفاء السائل. 

و تنوّع الحدّ بحسب زاوية النظر التي منها يُنظر في مسألة التصوّف[14] من ذلك  الحدّ بأحوال البداية : قول الحريري:  ” التصوّف هو الدخول في كل خلق سَنيّ ، والخروج من كلّ خلق دنيّ”

_ الحدّ بالنهاية: قول الجنيد ‘ هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به

_ الحدّ بالعلامات : قول البغدادي ‘ علامة الصوفي الصادق أن يفتقر بعد الغنى، ويذلّ بعد العزّ ، ويختفي بعد الشهرة ، وعلامة الكاذب العكس’

_ الحدّ بالأصول والمباني : قول رئيم  ” التصوّف مبنيّ على ثلاث خصال: التمسّك بالفقر و الافتقار ، والتحقق بالبذل والإيثار وترك التعرّض والاختيار”

 

 

 

 

الاستقامة   

التقوى

الكشف

المرحلة الأولى (زهد)

المرحلة الثانية  (تصوف سني معتدل )

المرحلة الثالثة (تصوف شيعي مغالي)

 

 

قصد

مرحلة اعدادية 1

 

0

مرحلة اعدادية

مرحلة اعدادية2

0

نتيجة

قصد

قصد

 

 

 

        اختلفت وجهة النظر الخلدونية في حدّ التصوّف فلم يكتف بالحدّ القائم على التجزيء بل حاول أن تكون النظرة كلية بالنظر في زوايا ثلاثة: هي أركان حدّ التصوف وقد أطلق عليها المجاهدات الثلاث : الاستقامة ، التقوى ، الكشف .

وقد جعل من القصد حدّا بين ضربي التصوّف السني المعتدل والشيعي المغالي. فإذا كان القصد الاستقامة، كانت مجاهدة التقوى مرحلة إعدادية وكانت مجاهدة الكشف نتيجة.وإذا كان القصد الكشف كانت مجاهدتا التقوى والاستقامة مرحلتي إعداد، بشرط أن لا ينفصل عن المجاهدتين الأوليين وإذا أصبح الكشف مقصودا لذاته كان إشراكا وبذلك يصبح معارضا لمجاهدتي الاستقامة

و التقوى .  وقد يصبح الكشف كذلك ظناّ بأنّ الخاصة في غنى عن الأعمال الظاهرة  و الباطنة والاكتفاء بالعلم اللدني . وهذه الطريقة في التعريف هي التي مكنت ابن خلدون من التمييز بين ضروب التصوف الأربعة:

1 _ التصوف الفطري : المقصور على صدق الأيمان والعمل الظاهر و الباطن بالشريعة

 

2 _ وهو الصبو إلى الاستقامة اقتداء بالرسول

 

 3_ و هو الطمع في بذر المعرفة الكشفية استعدادا للرؤية في الآخرة

 

       4 _ و هو السعي إلى الكشف و الرؤية في الدنيا، وتحويل مضمون الكشف إلى معرفة منقولة.

 وبذلك يصبح الكشف والإخبار به ليس خاصية مقصورة على الأنبياء والرسل بل إنّ الأولياء يضاهونهم في ذلك خاصّة إذا أصبح التصوّف هو القصد ادعاءا للكرامات المضاهية للمعجزات، وهو التصوف المرفوض من قبل ابن خلدون إذ هو ادّعاء للنبوّة رغم عدم المجاهرة بذلك.. و هو ما يؤكده أقطاب في الفكر الغربي [15] من ذلك قول هرطن  ” …  إنه بوسع المسلم أن يتأمّل بعض النظريات التي ظهرت على هامشه منذ قرون أعني الأنساق الصوفية ففيه يفقد النبيّ ما يتجاوز به البشر بفضل كون الإنسان سيرتفع إلى دائرة الإلوهية إذ أنّ العالم بحسب هذا المذهب شكل متطور من الربوبية ، تعيّن للذات الإلهية . ومن ثمة فكل البشر إلهيون على نفس المنوال، فلم يبق للنبي أي فضل على غيره من البشر ، وبذلك يمكن للمرء أن يسمو بدينه وأن يتخلص من قيوده ليجعله دينا كونيا و كلّيا للحب الإنساني (…) وتوجد نظرية أخرى تفتكّ من النبي موقعه المتجاوز للطبيعة بعض التجاوز. إنها نظرية الإمامة، فهذه النظرية تعلن أن كل عصر لا بد له من إمام يخصه و من ثمة فإن عهد محمد قد ولى “[16] 

 

    

 

 

خاتمة:

إن سعي ابن خلدون لحدّ التصوّف رغم علمه المسبق بأنّ هذا المصطلح رجراج موسوم بسمات مذهبية مُخرج على كل لون حتى غدا كالطيف لا يؤلف بين شتات ألوانه غير المصطلح حدّا يتطلب بعض السذاجة للإطمئنان إلى إجراء قانون الاصطلاح عليه باعتبار أن أسّه الاتفاق، ولأنّ ذلك غير ممكن لم يقف ابن خلدون من التصوف موقف الغزالي الذي اكتفى بالوصف، دالا على الفرق المغالية وكاشفا، بل إن موقفه قد صاغته “ثلاث مؤهلات تميزت بها ثقافة الرجل. ونعني به ثقافة المؤرخ، و الفقيه و المتصوّف و لذلك تمكن من أن يصوغ الموقف التأليفي للسنة من التصوف ، وأن يهذّب المسائل و يرسم المعادلة بين الأطراف المتنازعة، فوفق بين موقفي الغزالي و ابن تيمية وتسامح حيث يجب التسامح وتشدد حيث يجب التشدد. فبعد أن أكّد القاعدة السنية حول ضرورة التكامل بين الظاهر و الباطن و نفي الاختلاف و التضارب بينهما ، متحررا من القيود التي وضعها فقهاء المالكية  للمفتين و الفتاوى كما فعل الغزالي مع فقهاء الشافعية  مضى يصوغ قاعدة الحسم في الحكم على التجارب الصوفية أولها مقيدا لظاهرتي التسامح و التشدد معا اعتمادا على مسالة غيبية الحس أو حضوره في التجربة الصوفية وعلى سلوك الصوفي وتقواه واعتبارا أيضا لجهة القصور في المعجم الصوفي و ما ينجم عنه من إشكال اصطلاحي فإذا كان السلوك مراعيا لأحكام الشرع وصدرت الأقوال في حالات الوجد والغيبة عن الحس ثم أنكرها أربابها في حالات الصحو أمكن الركون إلى التأويل  وجاز  حينئذ التماس العذر أما إذا أنبأ السلوك الصوفي بمجانبة التعاليم الشرعية ، وتمسك القائلين  الصوفيين بمقالاتهم في حالة حضور الحس وامتلاك العقل ، انتفى إذاك كل تأويل بقيام الحجة”[17]         

       إن محاولة البحث عما يمكن أن يوجد في الإسلام من فرق صوفية مغالية تُفهم من زاوية اعتبار أصحابها أنها مداخل تخلّصهم من حيرتهم الحاصلة في بحثهم المتواصل عن ‘الحقيقة’ لذلك أرجعوها إلى ما يُعرف قبل الإسلام من أديان سواء أكانت منزّلة مثل المسيحية واليهودية أو غير منزّلة قادمة من الفرس واليونان و الهند و من نتائج هذه النظرة اعتبار القرآن مجر د نسخة منحطة من التوراة والإنجيل وان أصحابه مطرودون من أبواب الرحمة إلى الصحراء تماما كما حصل لبني إسرائيل وأن الإسلام  دين بدائي مقارنة بالمسيحية خاصة. وأنّ أتباعه لا يمكن لهم الدخول في الرحمة الإلهية وتحقيق النهضة المطلوبة إلا إذا فهموا الصوفية ممثلة في الحلاج واعتنقوها.

إنّ الصوفية بهذا المتصوّر الساذج هي العتبة المؤدية إلى أبواب الرحمة متمثلة في الحلولية التي هي لب المسيحية وعمادها وخروج من الإسلام باعتباره نظرية استخلافية تقوم على خلافة الإنسان في الأرض .      

              


[1] ابن خلدون: شفاء السائل ص48

[2] شفاء السائل ص205

[3] مقدمة محسن بن تاويت الطنجي لكتاب السائل ص88

[4] مواقف الفقهاء من الصوفية في الفكر الإسلامي ، توفيق بن عامر ،  حوليات الجامعة التونسية، عـ39ــدد ، 1995 

[5] المقدمة ص 1063

[6] شفاء السائل ، ص ص 7 و 8

[7] القشيري ، الرسالة ، ص8  ـ شفاء السائل ، ابن خلدون ، ص26-27 

[8] شفاء السائل، ص54

[9] نيكلسون، في التصوف الإسلامي وتاريخه، ترجمة أبو  العلاء  عفيفي ، المجلة الآسيوية 1906 ص ص 203 ، 247

[10] المقدمة ص 39

[11] شفاء السائل ص ص 15 . 16

[12] الرسالة ، القشيري ، ص 126

[13]  شفاء السائل ، ص 54

[14]  شفاء السائل ، تعليق أبو يعرب المرزوقي ، هامش ص 160

[15] من ذلك هيجل و ماسنيون و هرطون. لمزيد التأكد انظر مقال أبو يعرب المرزوقي ، نقد هرطون لماسينيون أو العوائق الفلسفية لتلقي الروحانية الإسلامية

[16] هرطون ، مراجعة فيلولجة لمحاولة ترجمة الحلاج ، 1928 ، ص ص 23 _ 41

[17] ابن عامر توفييق ، مواقف الفقهاء من الصوفية في الفكر الإسلامي ، ( مقال) ، حوليات الجامعة التونسية ، عـ39ـدد ، 1995

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: