• التصنيفات

  • Advertisements

مصطلح غسيل الأموال بين إجراء الحدود و محدودية الإجراء

    المصطلحات المفاتيح : غسيل الأموال  ، تبييض الأموال  ، تطهير الأموال ، الجريمة البيضاء

يحتكم القاضي في حكمه إلى ثلاثة مسائل ، هي :  وضع اللغة  عرف الاستعمال  مراد واضع القانون [i]

 “غسيل الأموال” مصطلح حديث بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية و القضائية وهو مبهم أو يكاد بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الناس . فاستخدام هذا المصطلح ظهر لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية ، فقد حصل ذلك في قضية ضبطت في أميركا   اشتملت على مصادرة أموال قيل إنها “مغسولة” بمعنى أنها متأتية من الاتجار غير المشروع بالكوكايين.

     على أن هذا المصطلح لم ينفرد بهذا المفهوم إذ رصدت له مصطلحات متعددة من ذاك مثلا : “غسل الأموال”  “تبيض الأموال ”  ” تطهيير الأموال”  ” تنظيف الأموال ” . ولعل تميز مصطلح “غسيل الأموال ” في مستوى الاستعمال لكونه الترجمة الحرفية للمصطلح الانجليزي Mony Laundrering  . وهي ذات الترجمة التي أخذت بها هيئة الأمم المتحدة في وثائقها [ii]. كما استعمله المشرع التونسي في قانون 2003 و هو ما دعانا إلى التساؤل : لماذا لجأ المشرع التونسي إلى الترجمة الانجليزية ؟ ثم لماذا تجاوز الترجمة الفرنسية التي تقر مصطلح “تبييض الأموال” ؟  ورد التعريف ضمن المادة 324 /1 من القانون الخاص بمكافحة تبييض الأموال  رقم 392 لسنة 1996 ما نصه

 “Le blanchiment est le fait de faciliter. Par tout moyen. La justification mensongère de l’origine des biens ou de revenus de l’auteur d’un crime ou d’un délit ayant procure a celui-ci un profit direct ou indirect constitue également un blanchiment le fait d’ apporter un concours a une opération de placement . dissimilation ou de conversion de produit direct ou indirect d’un crime ou un délit .        

     من توصيات مجموعة العمل المالي الدولية ” وحدة استخبارات مالية” و تسمى أيضا قوة العمل للمهام المالية FATF ou GAFI تعتبر الهيئة الدولية الرئيسية لمكافحة غسيل الأموال ، شكلتها مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في قمتها الاقتصادية الأوروبية سنة 1989 ، أصدرت أربعين توصية سنة 1990 وقد وقع تعديلها سنة  1996 و 2003 واعتبر الالتزام بها معيارا للالتزام الدولي في مكافحة ظاهرة غسيل الأموال  

         إن التعريفات المقدمة لهذا المصطلح متعددة ، فخبراء التدريب ببرنامج الأمم المتحدة الدولي لمكافحة المخدرات يعرفون غسيل الأموال بأنه ” عملية يلجأ إليها من يتعاطى الاتجار غير المشروع بالعقاقير المخدرة لإخفاء و جود دخل أو لإخفاء مصدره غير مشروع ، أو استخدام الدخل في وجه غير مشروع ، ثم يقوم بتمويه ذلك في الدخل ليجعله يبدو وكأنه دخل مشروع ، وهو بعبارة أبسط التصرف في النقود بطريقة تخفي مصدرها وأصلها الحقيقي [iii]

   إن عملية غسيل “الأموال” عملية معقدة ومتعددة الأشكال و الوسائل و مرتبط بعضها ببعض ، حتى لتبدو كل خطوة معقودة ناصيتها بالتي تليها و هكذا الأمر إلى نهاية الجريمة .

و يرجع الدارسون هذا المصطلح ، من حيث المصدر ، إلى عصابات المافيا ، حيث كان يتوفر لها أموال نقدية طائلة ، وقد احتاجت أن تضفي المشروعية على الأموال بسبب عدم القدرة على حفظها في البنوك ، فوجدوا أن أفضل الطرق لتحقيق هذا الهدف يتمثل في شراء الموجودات وإنشاء المشاريع و تحويل النقود إلى مصارف أجنبية ، ثم إعادة الحصول عليها عن طريق القروض” [iv]

 كما أرجعوا تاريخ هذه العمليات إلى العصور الوسطى ، بعد أن قامت الكنيسة الكاتوليكية بحظر أموال المراباة لاعتبارات قانونية و أخلاقية ، و نتيجة لذلك قام التجار والمرابون باستخدام أساليب جديدة في عمليات الإقراض و الحصول على الفوائد من خلال ما يسمّى حاليا شركات الظل و تضخيم أعمال الصرف[v]  

و لكل هذه الاعتبارات التاريخية و الاجتماعية و الاقتصادية … فإن “غسيل الأموال ” قد حضي بأن ضرب كلّ بسهمه سواء في ذلك المختص و غير المختص بل إنه كان محط نظر لجان و أحزاب بل ودول .

من ذلك تعريف اللجنة الأوربية لمكافحة غسيل الأموال ، حيث اعتبرت “غسيل الأموال ” هو الأعمال التي من شأنها تحويل الأموال او نقلها مع العلم بأنها مستمدة من أية جريمة من جرائم المخدرات ، وبهدف إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال أو بقصد مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب مثل هذه الجرائم … و كذلك إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال أو مصدرها أو طريقة التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها أو ملكيتها … مع العلم أنها مستمدة من جريحة المخدرات أو من فعل من أفعال الاشتراك فيها”[vi] 

    وورد التعريف في القانون الأمريكي لسنة 1986 و الخاص بمكافحة غسيل الأموال ما نصه ” إن غسيل الأموال هو كل عمل يهدف إلى إخفاء طبيعة أو مصدر الأموال الناتجة عن النشاطات الجرمية ” [vii] 

    ويعرفه ليجو جيرارد الخبير بالشرطة الفرنسية بأن تبييض الأموال هو  ” المحاولة بوسائل متعددة قد تكون مأخوذة من دنيا رجال الأعمال لإخفاء مصدر الكسب غير المشروع للأموال حتى يمكن استثمارها دون خوف من إمكانية مصادرتها في قنوات مشروعة مالية واقتصادية [viii]

كما ورد في القانون اللبناني ما نصه ” يعتبر تبييض أموال مل فقل يقصد منه :

-1- إخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة أو إعطاء تبرير كاذب لهذا المصدر بأي وسيلة كانت

-2- تحويل الأموال أو استبدالها مع العلم بأنها أموال غير مشروعة ، لغرض إخفاء أو تمويه (كذا) مصدرها ن أو مساعدة شخص ضالع في ارتكاب الجرم على الإفلات من المسؤولية .

-3- كل عمل يهدف إخفاء طبيعة أو مصدر الأموال الناتجة عن النشاطات الجرمية [ix]  

و قد تبنى المشرع التونسي بالفصل 62 من قانون مكافحة الإرهاب المفهوم الموسع و الحديث في تعريفه لجريمة غسل الأموال و هو تعريف لا يقصر الجريمة على الأموال المتأتية من تجارة المخدرات و تماهى في ذلك  مع التعريف الذي أورده المشرع الفرنسي بالقانون رقم 392 لسنة 1996 الخاص بمكافحة تبييض الأموال . و قد انتهج المشرع التونسي صيغة العمومية ووسع نطاق التصرف ليحيط بكل السبل المؤدية إلى الجريمة ، كما استبعد مبدأ إقليمية النص الجنائي محاولة منه في رصد المجرمين و ملاحقتهم في كل مكان ، لقد أراد المشرع تجاوز التعريف الدقيق ، ربما لعدم وجود تعريف قانوني متفق عليه دوليا .

 وقد حاول فقهاء القانون تعريف الجريمة فتراوح تعريفهم بين التوسيع و التضييق حتى اعتبر من غسيل الأمول أيضا الأموال المتأتية من أنشطة مشروعة غير مصرح بها تهربا من الالتزامات القانونية على غرار التهرب من دفع الضرائب ..[x]  

و بالنظر في المعاجم العربية نجد ثلاثة متصورات لمصطلح “غسل” و غسيل”

1 – متصور المجامعة والضراب :

      إذ ورد في لسان العرب : غسل الرجل المرأة يغسلها غسلا أكثر نكاحها . ورجل غُسًل ، كثير الضراب لامرأته .

من ذلك ما أنشده ابن الأعرابي لعبد الرحمان ابن داره في قوله :

 

                 فيا ليل أن الغسل ما دمت أيّما       عليّ حرام لا يمسّني الغِسل 

أي لا أجامع غيرها فأحتاج إلى الغسل طمعا في تزوّجها .

 ويقال فحل غسيل بمعنى يكثر الضراب ولا يلقح .

عن النبي أنه قال :” من غسّل يوم الجمعة واغتسل وبكّر وابتكر فبها ونعمت ” قال القنيبي : أكثر الناس يذهبون إلى أن معنى غسّل ، أي جامع أهله قبل خروجه للصلاة لأن ذلك يضمن غضّ الطرف في الطريق ، لأنه لا يؤمن عليه أن يرى في  طريقه ما يشغل قلبه .   و من معنى الضراب أخذ هذا المصطلح معنى الضرب إذ أنّ غسله بالسوط غسلا ، ضربه فأوجعه .

2 – متصور الطيب والتطيب :

     و قد ورد أيضا في لسان العرب أن من معاني الغسل ما تجعله المرأة في شعرها عند الإمتشاط من طيب وزيت ونحوه

3 – متصور إزالة الأوساخ من البدن والثوب ونحوه بالماء:

    غسل الشيء يغسله غسلا و غُسلا ، وقيل الغسل المصدر من غسلت و الغسل بالضم الاسم من الاغتسال يقال غسْل وغسُل .

و شيء مغسول و غسيل و الجمع غسلى و غُسَلاء .يقول الجوهري: ” ملحفة غسيل يذهب بها إلى مذهب النعوت نحو النطيحة .

   

     إن تقصي مصطلح غسيل في المعاجم العربية دفعتنا إليه تفشي هذا المصطلح في الأوساط القانونية و المؤسسات الشرطية حتى كاد يعطل بقية المصطلحات التي ظهرت معه و التي أشرنا إليها من نوع “تطهير” و “تبييض” و “تزكية” و “غسل” ….الخ و قد يطلق على هذه العملية مصطلح ” الجريمة البيضاء” . و لكن هذا المصطلح ، في الحقيقة ، لا يلبي المطلوب وهو تغطية الحيز المتصوري الذي أراده واضعوه ، ولذلك جاز لنا القول إن هذا الاختيار غير موفق ، إذ ليس لهذا المصطلح من فضل أمام مرادفاته بل لعل مصطلح تبييض أقرب إلى المتصوّر الجامع .     

و يتفق الدارسون أن للغسيل مراحل ثلاثة :

1 – مرحلة الإيداع

2 – مرحلة الترقيد

3 – مرحلة الدمج

    وقد ساهمت أسواق المال العالمية في ازدهار عمليات غسيل الأموال إذ تبين أنها تحتل 25%  من حجم هذه العمليات التي وصلت إلى 130 مليار دولار في العام الواحد للبورصات العالمية وقد تطورت الصفقات الدولية في مجال تداول الأسهم من 93 مد يوميا خلال عام 1980 إلى 615 مد عام 1990 . كما ارتفع حجم تداول السندات خلال نفس الفترة من 108 مد إلى 4452 مد ” [xi]

     كما كان لشركات السمسرة في الولايات المتحدة بدلا من البنوك دورها في عملية غسيل الأموال بسبب تزايد نطاق المعاملات في الأوراق المالية على مستوى العالم ، فقد ثبت تورّط هذه الشركات في وول ستريت في عملية غسيل الأموال ، فهذه الشركات تتغاضى عن مصدر المشروعية للأموال الناتجة عن تجارة المخدرات أثناء التعامل مع العملاء .و أرجعت سلطات التحقيق حدوث هذه العمليات من خلال قيام شركات السمسرة بإجراء العديد من التحويلات الخارجية و قبول التحويلات من مناطق تعتبر محميات مصرفية مثل بنما وجزر البهاما و سويسرا …. دون السؤال عن مصدرها ثم القيام باستثمار هذه الأموال في الولايات المتحدة[xii] و في نفس الوقت سعت أمريكا إلى تسمية دول في بعض تقاريرها معتبرة إياها خارجة عن الاتفاقية الدولية لمكافحة غسيل الأموال منها مصر ولبنان …الخ .

إن تعدد المصطلحات الدالة على هذه “العملية الإجرامية” لم يحل دون وحدة المتصور العام رغم اختلاف المعنى اللغوي لهذه المصطلحات و تباينها من ناحية الدقة في الدلالة على المصطلح ، لذلك رافقت هذا المصطلح جملة من الإشكالات منها :

– أن هذا المصطلح بقي رجراجا لا يقف على أرض صلبة إذا ما انتقل من حيز الدلالة الأولى إلى حيز الدلالة الثانية . وهي التي فيها نتحدث عن المصطلح القانوني الذي نشغل به أنفسنا في هذا المقال .

– أن هذا المصطلح غير موحد بين القانونيين العرب ، ولا نستثني منهم الدارسين بل لعلهم  كانوا مساهمين في تشتته وعدم توحده [xiii] 

– انقسم الناس في استعمال هذا المصطلح إلى شق أنجلو سكسوني يستعمل “غسيل” ترجمة لمصطلح Laundrering .  و شق آخر فرانكفوني ترجم المصطلح الفرنسي   blanchiment  ب “تبييض” . ما يلفت النظر أن بعض الدول المحسوبة على المعسكر الفرانكفوني ونخص بالذكر منها تونس استعملت مصطلح غسيل ترجمة عن الانجليزية وهو ما يخفي غايات سياسية خاصة وأن قانون 10ديسمبر 2003 جاء إثر لوم أمريكي لبعض الدول التي بقيت خارج المنظومة الدولية لمكافحة الإرهاب وقد خصت لبنان ومصر بالتسمية  .

        إن اختلاف المصطلح لم يلحقه اختلاف في المتصور الجامع رغم اختلاف الصياغة بين دارس وأخر وهو ما حدا بنا إلى تتبع هؤلاء الدارسين في ما كتبوا بخصوص هذا الموضوع معيدين النظر في المصطلح من خلال التعاريف التي قُدمت كمحاولة لسد هذا الفراغ الذي استحدثته جماعة خارجة عن القانون وأوجد له أفراد من الشرطة  المصطلح الذي شغله .


[i]  انظر  محمد الشرفي ، مدخل إلى القانون العام  ، ص 63

 

1      انظر محمد فتحي عيد ، الإجرام المعاصر ، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ، الرياض ، 1999 ص  279

 

[iii]   برنامج الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات ، دليل الأمم المتحدة للتدريب على إنفاذ قوانين العقاقير المخدرة ، وثيقة رقم 3009

 

3  ليجو جيرارد ، تنظيف رأس المال ، ص 281

 

4  سيد شوربجي عبد المولى ، عمليات غسيل الأموال وانعكاساتها على المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية ن المجلة العربية للدراسات 

الأمنية و التدريب ، اتلرياض ، ع 28 ، أكتوبر 1999 ، ص 313 

 

 

 

 

5 انظر نفس المصدر ، ص 320

 

 

6  انظر نفس المصدر ، ص 315

 

7  انظر البشير بن لطوفة : السرية في قانون مكافحة الإرهاب ، مذكرة للحصول على الماجستير في علوم الإجرام ، ص 47 ذ

 

8   جاء في التوصية 26 ” على الدول  تأسيس وحدة استخبارات مالية تمارس مهامها كمركز وطني ” يمكن العودة في هذا المجال لكتاب عبد الله محمود الحلو ، الجهود الدولية و العربية لمكافحة جريمة تبييض الأموال ، ص 76 

 

9   عن مجلة البنوك الأردنية ، العدد العاشر ، المجلد 19 ، كانون الأول ، سنة 2000 ، ص 20

 

 

10   منظر كتاب الجهود الدولية و العربية لمكافحة جريمة تبييض الأموال ، ص 16

 

 

11  المادة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية

 [xiii] Barbara Webster and Michel S. Mc  . Cambell International money laundering – National Institution of Jusice . sep . 1992

 

13 المادة 2 من القانون اللبناني لمكافحة تبييض الأموال رقم 318 لسنة 2001 عن عبد الله محمود الحلو ، الجهود الدولية والعربية لمكافحة تبييض الأموال ، ص 19

14 انظر البشير بن لطوفة السرية في قانون مكافحة الإرهاب ، ص 17 

 15 انظر عبد الله محمود الحلو ، الجهود الدولية و العربية لمكافحة جريمة تبييض الأموال ص123

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: